الأربعاء، 26 مارس 2014

كم طفل يجب أن ينتحر لكي نلغي وزارة التربية والتعليم؟

لا هي حالة فردية ولا هي المرة الأولى التي ينتحر طفل بسبب ما يواجهه من عسف في نظامنا التعليمي، ومازال القائمون على الأمر أسرى حالة من الغياب الفكري والانعزال عن الواقع، واتوقع منذ الآن أن العقاب لن يتجاوز معلم ما أو مدير المدرسة في أقصى الأحوال، هذا إذا تم أخذ الأمر بجدية، لا يا سادة..... إن الداء في أصل الشجرة، في ذلك المبنى عتيق الأفكار، في أساطينه المتمرسين خلف مكاتبهم ومناصبهم، ولا يقودون الأمور إلا من أسوأ إلى أسوأ، فنظامنا التعليمي مازال خلف التاريخ، ويتطور نحو ما غادره العالم منذ زمن، وزارة التعليم يا سادة هي العقبة الأولى أمام تطور ابنائنا، وإذا كان هذا الطفل بلغ من  الاحساس بالقهر حد يدفعه إلى انهاء حياته، فإن آلاف الأطفال تحت ضغط نفس القهر ينتحرون كل عام بالانصياع للنظام المدرسي ومنهاجه
طفل يشنق نفسه في يوم ميلاده
إن تبعية المعلم لوزارة تجعل منه موظفا، موظف من الدرجة الثانية أو الثالثة إذا صلح التعبير، فلا هي حسنت أوضاعه المعيشية المتردية ولا هي حافظت على منزلته الاجتماعية المتآكلة، ولا أهلته للتعامل مع عالم جديد ومتغير، ولا طورت مهاراته للتعامل مع أشكال جديدة من المعرفة، ولا حفزته على الإبداع، وأي بارقة أمل تشهدها مدارسنا هي جهد لمعلمين متفانين، وما المبادرات التي تطلقها الوزارة إلا صرعات شكلية لزوم الاحتفالات الرسمية والخطب الاستعراضية والمؤتمرات الشكلية، تنحصر فائدتها في الغالب على قلة قليلة من المعلمين، فلا تمس الكتلة الكبيرة منهم ولا تذهب عميقا في الأرض، أما المشاريع الممولة فحدث ولا حرج، فمقابل كل شيكل يحدث فرقا فإن ألفا تذهب غثاء
تطوير التعليم العام هو نكتة ثقيلة الظل، الواقع بسيط وقاتم، معظم ابنائنا يدرسون بنفس الطريقة التي درس بها ابائنا واجدادنا، مازالت المدرسة هي نظام للقهر ومحو الشخصية، مازالت جدران المدرسة وأسوارها هي عائق أمام تطوير قدرات الأطفال الإبداعية، وحاجز بين المتعلم وواقعه، وآلة لانتاج عقول منسوخة مكررة ومتشابهة، طالما بقت سياسة القطيع هي النظرة التي نتعامل بها مع تلك العقول، والملوم دائما هو المعلم، إلا أن المعلم قطعا ليس حرا، هو أسير لنفس النظام الذي يعاني منه طلابه، نفسيا وعقليا ومهنيا، وبالتالي فإن القاء التبعية عليه هي جريمة أخرى
أما المنهاج فحدث ولا حرج، هو سور آخر تلفه المدرسة حول عقول مرتاديها، وتسوقه لهم باعتباره علما نافعا، وتبقى حقيقة أن حفظ كم من المعلومات سيؤدي إلى تطوير مهاراتهم هي مقولة من وراء التاريخ، لا يفوقها قدما إلا فكرة أن منهاج ما مهما بلغ اتقانه، هذا على فرض الاتقان، هو صالح لكل الطلاب على اختلاف مستوياتهم وبيئاتهم وقدراتهم، أما الادعاءات باهتمام الوزارة بتطوير مهارات التفكير المعاصر والحرص على المواهب ورعاية الإبداع، فهو قول يخالف الواقع ولا يتعدى حبر الوثائق الرسمية، وتبقى كل حالة على الأرض هي ثمرة لعرق معلمين حقيقيين على الأرض، لا حافز لهم إلا ضميرهم وما يؤمنون به
إن الانجاز الحقيقي الذي يمكن أن تفخر به الوزارة هو ما استحدث من مباني مدرسية (كما لا نوعا) في ربوع الوطن، مما يؤهلها بامتياز للتحول إلى (وزارة الأبنية المدرسية)، حتى لا نخسر كل هذا العدد الضخم من الموظفين والإداريين، الذين لا نعرف فعليا كم تشكل مرتباتهم من ميزانية الوزارة، ولتتولى المدارس بالتعاون مع اتحادات المعلمين ومؤسسات المجتمع مسؤولية التعليم، ولنتخلص لمرة واحدة ونهائية من شبح المنهاج، ويتم انتقاء وبناء الخبرات التعليمية اللازمة وفقا لحاجات الطلاب الفعلية ورغباتهم واتجاهاتهم في التعليم تحت أشراف هيئات من أصحاب المصلحة الحقيقيين، أولياء الأمور، ولنعطي المجتمع المحلي دورا اكبر في تطوير التعليم
إن من بين ايديهم القدرة على الاعتراض والتغيير لا يهتمون ببساطة، لأن لديهم من القدرة المادية ما يسمح لهم بتجنيب ابنائهم الكثير من تلك المشقات وارسالهم إلى مدارس خاصة، في الغالب ليست أحسن حالا، ولكنها تقدم على الأقل نوع من رفاهية التعليم، ما يجنبه الويلات النفسية، إلا أن خضوعها لنفس المنهاج يحصر ابنائها في نفس الخندق العقلي، وطالما حصل ابنائهم على حظ أفضل في التعليم وفرص أعلى لدخول الجامعات (هنا أو بالخارج) وسبل أيسر للتوظيف والعمل، سيبقى اهتمامهم بالتعليم العام لا يتعدى رفاهية النقاش في المجالس 
إن العقدة بالتأكيد لا تكمن في أشخاص قد تتبدل وتتغير، إنما في نظام عفى عليه الزمن، نحمله مسؤولية خسارة الطفل فارس اليوم، وخسارة الآلاف من عقول ابنائنا كل يوم....