من بين فلاسفة اليونان فإن سقراط هو من يستحق لقب "المعلم الأول" عن جدارة، فمع سقراط اعيد الاعتبار للعقل الإنساني مرة أخرى، وبعد أن كانت الفلسفة تحلق في السماء بحثا عن تفسيرات للكون، يضعها سقراط مرة واحدة وإلى الأبد في سياقها الحقيقي، ويصبح المبدأ "اعرف نفسك" هو الهم الشاغل للفلسفة.
اكتسب سقراط سطوته المعرفية في المجتمع اليوناني القديم من مجابهته للسوفسطائيين، وهم مجموعة من المعلمين و"المحامين بتعريفنا الحالي" الذين استطاعوا من خلال الجدل والتفسير اللغوي المفرط، استطاعوا قلب الأفكار وتقديم تفسيرات مغلوطة وإنما متسقة منطقيا وقادرة على اقناع الناس بأمور مخالفة للواقع، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "البيداجوجيا الزائفة"، ونتيجة لشهرتهم اكتسب السوفسطائيين أعدادا متزايدة من الراغبين في تعلم حرفتهم.
وتصدي سقراط للسوفسطائيين عن طريق منهج نقدي منظم، يشمل نقض أساس المعرفة السوفسطائية، القائم على رد المعرفة إلى الحواس وإنكار دور العقل، وهو ما سيتكرر عبر التاريخ في كل المذاهب المادية الحسية، ويجمع منهج سقراط بين جانبين أحدهما سلبي يهدف لنقض الأفكار المعارضة وهو "التهكم"، ويعني التهكم تقنيا ادعاء سقراط عدم معرفته بموضوع الحوار ورد المحاور إلى مناقشة مبادئ الفكرة ومدى صحة الاحتمالات الأخرى، أما الجانب الآخر الإيجابي في منهج سقراط فهو "التوليد" وهو القدرة على التسلسل بين الأفكار وصولا إلى بناء تصور منطقي مقبول لدى الطرفين.
ويشكل "التهكم" و"التوليد" المحورين الأساسيين للطريقة السقراطية في التدريس، حيث ينطلق المعلم مع المتعلمين من نقطة معرفية متساوية، ويبدأ معهم رحلة معرفية يستكشوا فيها معا المفاهيم والأفكار والنظريات، ويلعب السؤال دور مهم في هذه المنهجية، حيث يقوم الطلاب بتقديم كل الأسئلة الممكنة حول المفهوم، ثم يقومون بحذف الأسئلة غير ذات العلاقة والتركيز على الأسئلة الجوهرية، وليس بالضرورة أن تجد كل الأسئلة الإجابة المتوقعة عند المعلم، بل يمكن انتاج هذه الاجابات من خلال الحوار، أو بالرجوع إلى مصادر مختلفة.
وتؤكد هذه المنهجية على أهمية المتعلم كشريك حقيقي في الموقف التعلمي، فهو لا يتلقى المعرفة من الخارج بل يقوم بتوليدها أو انتاجها من خلال عملية التعلم، كما تؤطر أيضا لنوع جديد من العلاقات المعرفية بين المعلم والمتعلم، حيث يتخلى المعلم على سلطته على المتعلمين باعتباره "يعرف أكثر"، ويخوض معهم في طريق المعرفة المعبد بالحوار بين متساويين.
وتتجلى أهمية البيداجوجيا النقدية، ليس فقط من خلال قدرتها على وضع قيم العصر ومعاييره محل المساءلة، ولكن من تقديمها نمط جديد من العلاقات والقيم، وتقديم رؤى ونماذج معرفية جديدة ومغايرة.
والمؤكد هنا أن الدرب أمام المعلم النقدي ليس معبدا تماما، بل هو طريق ضيق صاعد يتطلب الكثير من التخلى عما هو ليس جوهريا، والتركيز على الجانب الرسالي في عمل المعلم، وهو ما يتجلى في شخصية سقراط التاريخية، فرفض سقراط للمساومة حول مبادئه، وقدرته على المواصلة حتى لحظة الإعدام سيصبح مثلا للمعلم النقدي عبر التاريخ.
نشرو شي حاجة زوينة اوووو خاليها تحل عينيناا
ردحذف