الأربعاء، 26 مارس 2014

كم طفل يجب أن ينتحر لكي نلغي وزارة التربية والتعليم؟

لا هي حالة فردية ولا هي المرة الأولى التي ينتحر طفل بسبب ما يواجهه من عسف في نظامنا التعليمي، ومازال القائمون على الأمر أسرى حالة من الغياب الفكري والانعزال عن الواقع، واتوقع منذ الآن أن العقاب لن يتجاوز معلم ما أو مدير المدرسة في أقصى الأحوال، هذا إذا تم أخذ الأمر بجدية، لا يا سادة..... إن الداء في أصل الشجرة، في ذلك المبنى عتيق الأفكار، في أساطينه المتمرسين خلف مكاتبهم ومناصبهم، ولا يقودون الأمور إلا من أسوأ إلى أسوأ، فنظامنا التعليمي مازال خلف التاريخ، ويتطور نحو ما غادره العالم منذ زمن، وزارة التعليم يا سادة هي العقبة الأولى أمام تطور ابنائنا، وإذا كان هذا الطفل بلغ من  الاحساس بالقهر حد يدفعه إلى انهاء حياته، فإن آلاف الأطفال تحت ضغط نفس القهر ينتحرون كل عام بالانصياع للنظام المدرسي ومنهاجه
طفل يشنق نفسه في يوم ميلاده
إن تبعية المعلم لوزارة تجعل منه موظفا، موظف من الدرجة الثانية أو الثالثة إذا صلح التعبير، فلا هي حسنت أوضاعه المعيشية المتردية ولا هي حافظت على منزلته الاجتماعية المتآكلة، ولا أهلته للتعامل مع عالم جديد ومتغير، ولا طورت مهاراته للتعامل مع أشكال جديدة من المعرفة، ولا حفزته على الإبداع، وأي بارقة أمل تشهدها مدارسنا هي جهد لمعلمين متفانين، وما المبادرات التي تطلقها الوزارة إلا صرعات شكلية لزوم الاحتفالات الرسمية والخطب الاستعراضية والمؤتمرات الشكلية، تنحصر فائدتها في الغالب على قلة قليلة من المعلمين، فلا تمس الكتلة الكبيرة منهم ولا تذهب عميقا في الأرض، أما المشاريع الممولة فحدث ولا حرج، فمقابل كل شيكل يحدث فرقا فإن ألفا تذهب غثاء
تطوير التعليم العام هو نكتة ثقيلة الظل، الواقع بسيط وقاتم، معظم ابنائنا يدرسون بنفس الطريقة التي درس بها ابائنا واجدادنا، مازالت المدرسة هي نظام للقهر ومحو الشخصية، مازالت جدران المدرسة وأسوارها هي عائق أمام تطوير قدرات الأطفال الإبداعية، وحاجز بين المتعلم وواقعه، وآلة لانتاج عقول منسوخة مكررة ومتشابهة، طالما بقت سياسة القطيع هي النظرة التي نتعامل بها مع تلك العقول، والملوم دائما هو المعلم، إلا أن المعلم قطعا ليس حرا، هو أسير لنفس النظام الذي يعاني منه طلابه، نفسيا وعقليا ومهنيا، وبالتالي فإن القاء التبعية عليه هي جريمة أخرى
أما المنهاج فحدث ولا حرج، هو سور آخر تلفه المدرسة حول عقول مرتاديها، وتسوقه لهم باعتباره علما نافعا، وتبقى حقيقة أن حفظ كم من المعلومات سيؤدي إلى تطوير مهاراتهم هي مقولة من وراء التاريخ، لا يفوقها قدما إلا فكرة أن منهاج ما مهما بلغ اتقانه، هذا على فرض الاتقان، هو صالح لكل الطلاب على اختلاف مستوياتهم وبيئاتهم وقدراتهم، أما الادعاءات باهتمام الوزارة بتطوير مهارات التفكير المعاصر والحرص على المواهب ورعاية الإبداع، فهو قول يخالف الواقع ولا يتعدى حبر الوثائق الرسمية، وتبقى كل حالة على الأرض هي ثمرة لعرق معلمين حقيقيين على الأرض، لا حافز لهم إلا ضميرهم وما يؤمنون به
إن الانجاز الحقيقي الذي يمكن أن تفخر به الوزارة هو ما استحدث من مباني مدرسية (كما لا نوعا) في ربوع الوطن، مما يؤهلها بامتياز للتحول إلى (وزارة الأبنية المدرسية)، حتى لا نخسر كل هذا العدد الضخم من الموظفين والإداريين، الذين لا نعرف فعليا كم تشكل مرتباتهم من ميزانية الوزارة، ولتتولى المدارس بالتعاون مع اتحادات المعلمين ومؤسسات المجتمع مسؤولية التعليم، ولنتخلص لمرة واحدة ونهائية من شبح المنهاج، ويتم انتقاء وبناء الخبرات التعليمية اللازمة وفقا لحاجات الطلاب الفعلية ورغباتهم واتجاهاتهم في التعليم تحت أشراف هيئات من أصحاب المصلحة الحقيقيين، أولياء الأمور، ولنعطي المجتمع المحلي دورا اكبر في تطوير التعليم
إن من بين ايديهم القدرة على الاعتراض والتغيير لا يهتمون ببساطة، لأن لديهم من القدرة المادية ما يسمح لهم بتجنيب ابنائهم الكثير من تلك المشقات وارسالهم إلى مدارس خاصة، في الغالب ليست أحسن حالا، ولكنها تقدم على الأقل نوع من رفاهية التعليم، ما يجنبه الويلات النفسية، إلا أن خضوعها لنفس المنهاج يحصر ابنائها في نفس الخندق العقلي، وطالما حصل ابنائهم على حظ أفضل في التعليم وفرص أعلى لدخول الجامعات (هنا أو بالخارج) وسبل أيسر للتوظيف والعمل، سيبقى اهتمامهم بالتعليم العام لا يتعدى رفاهية النقاش في المجالس 
إن العقدة بالتأكيد لا تكمن في أشخاص قد تتبدل وتتغير، إنما في نظام عفى عليه الزمن، نحمله مسؤولية خسارة الطفل فارس اليوم، وخسارة الآلاف من عقول ابنائنا كل يوم....

الاثنين، 10 فبراير 2014

لماذا لا يذهب المصريون إلى حفلة التيس؟

بمناسبة ذكرى تنحي مبارك...


لماذا لا يذهب المصريون إلى حفلة التيس؟

سجل الأديب ماريو بارجاس يوسا في روايته "حفلة التيس" الأحداث السابقة والتالية على اغتيال تروخييو ديكتاتور الدومينيكان في الستينات، وبصياغة روائية عالية المستوى، يصف مراحل التردي التي وصلت لها البلاد في عصره، وحالة السخط والرعب التي سادت المجتمع تجاه الحكم الطاغوتي، والتي دفعت مجموعة من الثوريين الوطنيين إلى التخطيط لاغتياله تمهيدا لقيام ثورة تطهر البلاد من نظام حكمه، وعلى الرغم من نجاح كتيبة الاعدام في القضاء على تروخييو، إلا أن سرعان ما سيطر ابنه على مقاليد الحكم، ليبدأ حملة عنيفة لتصفية آلاف المناهضين للحكم الديكتاتوري بزعم اشتراكهم في المؤامرة،  في واحدة من مآسي القرن العشرين.

قفزت تلك الرواية إلى ذاكرتي عندما تذكرت خطاب مبارك العاطفي، الذي وعد فيه بالتخلي عن السلطة وعدم الترشح مرة أخرى مع نهاية ولايته، الباقي في عمرها عدة أشهر، وعمل الاصلاحات السياسية المطلوبة خلال هذه الفترة، وفجأة ساد الصمت الشارع المصري، واختل توازن البرامج الفضائية وضيوفها، وسادت حالة اشفاق قوية تجاه الديكتاتور الضعيف، ويكاد تيار الثورة ينحسر عن صانعيها، لولا صلابة النواة الأولى للثورة، التي حمت ألاف الأعناق من التدحرج على أرصفة القاهرة، أو من التعفن بالزنازين، لو أسلمت رأسها لوعود تشبه وعود الذئب في الحكاية القديمة، حينما التهم الحملان الثلاثة.

في لحظة درامية مسلسلاتية، يقف مرشح الأخوان أمام مرشح النظام القديم وجها لوجه في انتخابات الإعادة الرئاسية، ويكون الخيار أمام ملايين الناخبين إما برلماني سابق  يحمل رؤية الإسلام السياسي لتحقيق النموذج التركي المعاصر (أو الأفغاني الحديث) أو رئيس وزراء سابق يقود هيئة أركان النظام القديم، وكان شعار المرحلة إن الأخواني إن أساء فمن السهل خلعه (وقد كان) أما عودة طيار آخر إلى الحكم فقد تكون نهائية وطويلة، وعلى الرغم من الحشد القوي لعلاقات الحزب الحاكم سابقا، أفلت الثوار من تحت حد المقصلة، ولم يذهب المصريين إلى حفلة التيس مرة ثانية.

الحكام الجدد، وقد بدا عدم استيعابهم للدرس جيدا، حاولوا استنتساخ تجربة الحزب الحاكم السابق، لكن بزي إسلامي وبنكهة مللية تعلي من قيمة الجماعة على الدولة، إلا أن قلة خبرتهم وسوء ادارتهم، والكشف عن نواياهم في الاستئثار بالحكم بشكل مفضوح ومستفز، جعل من السهل على الجماهير المدعومة بالجيش (أو العكس) أن تضع حدا لمغامرة غير واضحة العواقب، إلا أنه أطلق شبحا قديما أصبح حضوره على المشهد واضحا تحت حكم الأخوان، الإسلام السياسي المسلح، ليشن حرب مفتوحة على الأراضي المصرية، وبصفة خاصة في سيناء

وعلى الرغم مما قد يمثله قائد الجيش السابق من ضمانة للمصريين ضد التشرذم السياسي أو الرضوح لعنف شعبي، وخصوصا مع الاتهامات المتبادلة بالانتماء للمؤامرة الكونية من جميع الأطراف لجميع الأطراف، تبدو القوات المسلحة هي المؤسسة الوحيدة الجديرة بالثقة أمام رجل الشارع، حتى بمنظور عملي بحت، فلو حدث ما لا تحمد عقباه وأدت الأحداث بأي شكل من الأشكال للاخلال بالسيادة الوطنية، فسيقع على عاتقه عبء استرجاعها.
ولم يمنع هذا التأييد الجماهيري الجارف لمرشح يحمل سمات الرئيس المخلص للشعب المصري، لم يمنع مجموعة من الثوار من معارضته بقوة، والتلويح برفضهم لأي عودة لمباديء حكم بائد،  والإعلان أن الشعب المصري قد تجاوز تلك الحقبة إلى غير رجعة، وأن الشعب المصري لن يذهب إلى حفلة التيس.

الخميس، 13 سبتمبر 2012

هل يمكن أن تنظم فلسطين وإسرائيل كأس العالم؟



يبدو السؤال منطقيا للمتتبع لتاريخ تنظيم المونديال، والمتابع لتدخلات السياسة في ترشيحات البلدان لذلك الحدث الأعظم في رياضة كرة القدم، وألعاب الأمم في الكواليس خاصة في السنوات الأخيرة، فيبقى احتمالية الحدث واردة، حتى أن حتى هناك أصوات بدأت تنادي بذلك، بل أحد المواقع على الانترنت المخصص لذلك الملف، والتي تجمع بين أنصار الحل السلمي "المعتدلين من الطرفين" من نيويورك وتل أبيب ورام الله وغزة.


بداية تبدو الصفقة رابحة للطرفين، فمساحتهما معا بالتأكيد أكبر من قطر المنظمة لكأس العالم 2022، ومقارنة بكوريا واليابان، المنظمتان لكأس العالم 2002، تبدو المسافة أقصر بكثير.....خطوط وهمية، وتمثل حلا اقتصاديا سريعا لحكومتين مواجهتان برفض الشارع لسياساتهما الاقتصادية على الأقل، فبمجرد الإعلان عن الملف سيخلق ألاف فرص العمل، كما سيلهي الشارع عن قضايا ذات أولوية لفترة طويلة، وسنضمن خلال الخمسين سنة القادمة هدوءا لم يسبق له مثيل طوال فترة الصراع، وسيكون من حق القادة في الطرفين أن يفاخروا بالحل الأسهل للقضية الأعقد.
وسيشهد الملف دعما وتأييدا عالميين سيجعلان من قضية فوز هذا التنظيم المشترك أمرا شبه محسوما، فيتخلص العالم من هذا الصداع الأزلي، وسيفرح الجميع بتفوق الحل الأقتصادي- الرياضي على الصراع الاستعماري/السياسي/ العسكري/ الديني/ العرقي، وكذلك سيشهد دعم الدول العربية وبصفة خاصة المحازية لهما والتي تتبنى الحل السلمي، وإذا ما احسنت تلك الدول التخطيط، لن تخرج خاوية الوفاض من هذا المونديال.وفي حالة نشوب أي مشكلة، سينظر الجميع غاضبا إلى الطرفين معا "أنتم شركاء....انهوا قضايكما فيما بينكما".
ويبدو الجانب الفلسطيني الرابح الأكبر في هذه المعادلة، فبداية سيضمن الاعتراف المروم في الأمم المتحدة، فلم تنظم كأس العالم من قبل دولة ليست عضوا في المؤسسة، كما  سيساعد على حل المصيبة الأكبر في تاريخنا المعاصر... الانقسام، ليتوحدا معا للضغط على الشريك المنافس في هذا المشروع لتحقيق أحسن الفرص، كما ستمثل مجالا واسعا لرؤوس الأموال في تحقيق ربح غير مسبوق، ويشجع الاستثمارات الخارجية في مشروعات البنية التحتية والفوقية، ويساعد على حل مشكلات البطالة، وتطوير الكوادر الإدارية من خلال العمل على تنظيم هذا الحدث العملاق، والاحتكاك بمثيلاتها العالمية وعلى الطرف الآخر، وعلى أقل تقدير، ستتبقى لنا أربعة أو خمسة ملاعب بعد انتهاء المونديال، مما سيساعد على نهوض نشاط كرة القدم الوطني.

إلا أن للجانب الإسرائيلي استفاداته كذلك، فهو صاحب البنية الاقتصادية الأحدث، وتبدو ملاعبه وفنادقه وطرقاته وخدماته أكثر استعدادا، بما يضمن النصيب الأكبر من الغلة الاقتصادية، ومع وصول أحد الفرق العربية مثل مصر أو السعودية أو الجزائر إلى النهائيات، سيُفتح باب التطبيع الواسع، ويساعد على أن تصبح إسرائيل دولة طبيعية في المنطقة، ويصبح الحلم بالتمدد الاقتصادي في الأسواق العربية متاحا.

وتبدو"غزة"  قضية شائكة تهدد هذا الملف، فمع صعوبة انتقال عشرات الالاف من مطارات إسرائيل إلى قطاع غزة عبر أريز، والتي يمكن للقائمون على ملف غزة من تجاوزه، عبر مطار العريش والأراضي المصرية وصولا، وسيتم استغلال الأنفاق كذلك لتسهيل انتقال هذا العدد الضخم من المشجعين، وكذلك كمزار سياحي سيود القادمون المرور به كمغامرة متميزة، إلا أن الفرق الرياضية والمشجعون سيلقون مشقة أمنية هائلة، خاصة في حالة فوز فريقهم وانتقاله للعب في الأدوار التالية في أحد ملاعب اسرائيل أو الضفة، وكذلك بالنسبة لانتقال الجمهور الغزي لمتابعة مباريات المجموعات الأخرى، وهم عاشقون مجانين للعبة، ، وهو ما سيحتاج جهدا كبيرا من مسوقي الملف لاستصدار التصاريخ اللازمة، وإلا ستبقى إسرائيل في مأزق أخلاقي أمام العالم، إذ كيف يأتي الناس من ألاف الأميال لمتابعة فرقهم، ولا يستطيع هؤلاء على بعد خطوات.

تبقى بعد ذلك خمس قضايا أساسية، وهي القدس والحدود واللاجئين والأسرى والاستيطان، فماذا عن المشجعين الأسرى، وماذا إذا استطاع أحد الأسرى الحصول على تذكرة، عن طريق التهريب مثلا، لحضور أحدى المباريات، هل سيسمح له بحضورها، وماذا بالنسبة للاجئين هل سيتم منحهم تأشيرات لحضور المباريات، وخاصة تلك التي تقام على مدنهم الأصلية التي هجروا منها؟ وبالنسبة للجنة التي ستتولى ملف القدس، هل ستكون من الإسرائيليين أم الفلسطينيين؟ وإذا ما كانت لجنة مشتركة، لمن ستكون الغلبة والرئاسة فيها، وبالنسبة للحدود كيف سيتم النظر إليها مع وجود السور الذي سيمنع من انتقال المشجعين جيئة وذهابا بين الجانبين؟ وأي خط سيفصل بين مناطق السيطرة بين قوات الأمن من الطرفين؟ وهل سيسمح ببناء الفنادق والمرافق لهذا الحدث في المستوطنات؟ ولماذا لا ينتقلون إلى الجانب الآخر حتى يتمكن الجانب الفلسطيني من التوسع في إقامة المشاريع اللازمة؟ خاصة وهي تخنق خاصرة المدن الفلسطينية باستمرار.
ومع صعوبة حل هذه القضايا، سيبقى هذا الملف مغلقا إلى الأبد، وفي هذه الحالة، ومع انفراد اسرائيل بتنظيم كأس أمم أوروبا للشباب العام القادم، ربما يكون من الأجدر الالتفات إلى أن تقوم فلسطين بالعمل على تنظيم ملف استضافة كأس العالم وحدها، ولو كان كأس العالم للناشيئن تحت 16 سنة عام 2032.
نحن بحاجة لأن نبدأ حلما، حتى لو كان صغيرا وبعيدا.




السبت، 1 سبتمبر 2012


هز الهلال يا سيد
تؤكد حقائق التاريخ أن الفن الأصيل هو الذي يقاوم عوامل الانقراض والتغيرات السياسية والاجتماعية، والفن الأصيل هو النابع من ذاته محملا بالرسالة ومشبعا بالرؤية، هو النابع من هموم الناس ويلامس آفاق أحلامهم، ليفتح لهم طريق نحو واقع جديد يصنعونه بأيديهم، هو ذا فن سيد درويش.تستمع إلى سيد درويش فتجد أن أجواء الحركة الوطنية المصرية في الربع الأول من القرن العشرين ما زالت طازجة، تسجل أدق التفاصيل في عمل أبعد ما يكون هدفه عن التسجيل، ها هي النساء تخرج إلى المظاهرات، وتمتد الحركة السياسية إلى الطبقات الدنيا فيضرب عمال الورش والكناسين كذلك، وهو ما لم يتكرر في الحياة السياسية المصرية  إلا بعد ما يقارب القرن من الزمان (ناقص 8 سنوات) ،  وتعرض الأغنية (أو الطقطوقة) للعلاقة بين الثورة وطبقة الموظفين، فالموظف الملتصق إلى راتبه ، ورغم ضآلة هذا الراتب ومعاناة الظلم "الغلب اللي شايفينوه" والأمل في التغيير، فيبقى الموظف "مش حمل خناقة ولا شومة" ، ويعلن عن علاقته السياسية بأي شكل من أشكال الحكم "حد الله ما بيني وبينك غير حب الوطن يا حكومة".تعلن الأغنية عن تشكل طبقة جديدة تلعب دورا هاما في المجتمع، وهي شريحة هامة من الطبقة الوسطى المصرية....طبقة الموظفين حاملي الشهادات المتوسطة والعليا، التي لا تبحث عن أمل أكثر من البقاء، وأقصى طموحها هو المزيد من المزايا الوظيفية، إلا أنه يحرص قبل مغادرة الأغنية على الاشادة بالدور الوطني للموظفين، وهو مقاومة الفساد "مش إن اسفهناكم زي ما انت راسي".                                                               

الثلاثاء، 17 مايو 2011

بيداجوجيات نقدية.. (2) سقراط والسوفسطائيين

من بين فلاسفة اليونان فإن سقراط هو من يستحق لقب "المعلم الأول" عن جدارة، فمع سقراط اعيد الاعتبار للعقل الإنساني مرة أخرى، وبعد أن كانت الفلسفة تحلق في السماء بحثا عن تفسيرات للكون، يضعها سقراط مرة واحدة وإلى الأبد في سياقها الحقيقي، ويصبح المبدأ "اعرف نفسك" هو الهم الشاغل للفلسفة.
اكتسب سقراط سطوته المعرفية في المجتمع اليوناني القديم من مجابهته للسوفسطائيين، وهم مجموعة من المعلمين و"المحامين بتعريفنا الحالي" الذين استطاعوا من خلال الجدل والتفسير اللغوي المفرط، استطاعوا قلب الأفكار وتقديم تفسيرات مغلوطة وإنما متسقة منطقيا وقادرة على اقناع الناس بأمور مخالفة للواقع، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "البيداجوجيا الزائفة"، ونتيجة لشهرتهم اكتسب السوفسطائيين أعدادا متزايدة من الراغبين في تعلم حرفتهم.
وتصدي سقراط للسوفسطائيين عن طريق منهج نقدي منظم، يشمل نقض أساس المعرفة السوفسطائية، القائم على رد المعرفة إلى الحواس وإنكار دور العقل، وهو ما سيتكرر عبر التاريخ في كل المذاهب المادية الحسية، ويجمع منهج سقراط بين جانبين أحدهما سلبي يهدف لنقض الأفكار المعارضة وهو "التهكم"، ويعني التهكم تقنيا ادعاء سقراط عدم معرفته بموضوع الحوار ورد المحاور إلى مناقشة مبادئ الفكرة ومدى صحة الاحتمالات الأخرى، أما الجانب الآخر الإيجابي في منهج سقراط فهو "التوليد" وهو القدرة على التسلسل بين الأفكار وصولا إلى بناء تصور منطقي مقبول لدى الطرفين.

ويشكل "التهكم" و"التوليد" المحورين الأساسيين للطريقة السقراطية في التدريس، حيث ينطلق المعلم مع المتعلمين من نقطة معرفية متساوية، ويبدأ معهم رحلة معرفية يستكشوا فيها معا المفاهيم والأفكار والنظريات، ويلعب السؤال دور مهم في هذه المنهجية، حيث يقوم الطلاب بتقديم كل الأسئلة الممكنة حول المفهوم، ثم يقومون بحذف الأسئلة غير ذات العلاقة والتركيز على الأسئلة الجوهرية، وليس بالضرورة أن تجد كل الأسئلة الإجابة المتوقعة عند المعلم، بل يمكن انتاج هذه الاجابات من خلال الحوار، أو بالرجوع إلى مصادر مختلفة.
وتؤكد هذه المنهجية على أهمية المتعلم كشريك حقيقي في الموقف التعلمي، فهو لا يتلقى المعرفة من الخارج بل يقوم بتوليدها أو انتاجها من خلال عملية التعلم، كما تؤطر أيضا لنوع جديد من العلاقات المعرفية بين المعلم والمتعلم، حيث يتخلى المعلم على سلطته على المتعلمين باعتباره "يعرف أكثر"، ويخوض معهم في طريق المعرفة المعبد بالحوار بين متساويين.
وتتجلى أهمية البيداجوجيا النقدية، ليس فقط من خلال قدرتها على وضع قيم العصر ومعاييره محل المساءلة، ولكن من تقديمها نمط جديد من العلاقات والقيم، وتقديم رؤى ونماذج معرفية جديدة ومغايرة.
والمؤكد هنا أن الدرب أمام المعلم النقدي ليس معبدا تماما، بل هو طريق ضيق صاعد يتطلب الكثير من التخلى عما هو ليس جوهريا، والتركيز على الجانب الرسالي في عمل المعلم، وهو ما يتجلى في شخصية سقراط التاريخية، فرفض سقراط للمساومة حول مبادئه، وقدرته على المواصلة حتى لحظة الإعدام سيصبح مثلا للمعلم النقدي عبر التاريخ.

الجمعة، 6 مايو 2011

بيداجوجيات نقدية.. (1) علاقة البيداجوجيا النقدية بالتربية التقليدية

يستخدم بعض الكتاب العرب مصطلح "الطرائقية" كبديل لمصطلح البيداجوجي أو بيداجوجيا، ويشير هذا التعريف إلى محور تركيز البيداجوجي وهو "طرائق التدريس أو التعليم"، بينما يميل البعض الآخر إلى ترجمته بعلم "أصول التدريس"، ونفضل استخدام الكتابة العربية للمصطلح بيداجوجي، لنحافظ على المضامين الاجتماعية للمصطلح.
وتقدم البيداجوجيا التقليدية باعتبارها مجموعة من الوسائل أو الاجراءات التي يمكن للمعلم من خلال استخدامها او اتباعها تحسين طريقة تدريسه، وهذا الفهم لعملية التدريس هو منظور "حداثي" ينتمي لعصر الصناعة والعقلانية والترشيد، ويركز على القواعد والاجراءات التي من خلالها يمكن انجاز العمل "بأسرع وقت وأقل تكلفة"، ويتغاضى عن الروح أو جوهر عملية التربية، ويقفز عن الاجابة على الأسئلة الرئيسة للتربية، مثل ما الهدف من عملية التربية أصلا؟
من هذا المنظور، فإن الاجابة على هذه الأسئلة قد تم الاجابة عنها مسبقا، فمن خلال اللجان الرسمية والاجراءات البيروقراطية، يتم تحديد أهداف النظام التعليمي واعلانها في وثائق رسمية، ومن ثم تحليلها إلى أهداف خاصة بكل مرحلة دراسية، وبالتالي فالمعلم ليس بحاجة للتساؤل عنها بما أنها مقررة سلفا، والمعلم هنا يؤدي دور "العامل" في نموذج خط الانتاج، فالمنتج تم تحديد مواصفاته واجراءات تصنيعه مسبقا، وما على العامل إلا "ربط برغي" و "وضع ملصقة" حسب ترتيبه على خط الإنتاج، ولا يحق للعامل الاعتراض على تصميم المنتج أو معاييره أو أيا من جودة مراحل الانتاج السابقة أو التالية، لكن كل المطلوب منه هو الحركة الآلية الرتيبة التي تختلف أو تتشابه مع حركة زميله السابق أو التالي له في خط الإنتاج، حسب الآلية المقررة.
ووفقا لهذه الصورة، يقوم المعلم بتقديم كم معرفي أو مجموعة من المهارات تم تعليبها مسبقا، وتقديمها من خلال أنشطة مكررة ومعادة حتى الإملال، والمطلوب من الطلاب أن يتقنوها بالمعنى التقني للكلمة، أي من خلال اعادة تقديمها خلال اختبار دراسي، يشابه إلى حد كبير موقف التحقيق البوليسي.
وتتغاضى هذه الصورة عن الطابع المتفرد لعملية التربية، والتي تجعل من كل فعل "تدريسي" أو "تعلمي" حالة خاصة، وعلاقة غير قابلة للتكرار، بين المعلم والمتعلم، أو بين المتعلم وزملائه، أو حتى بين المتعلم وموضوع المعرفة، كما تتغاضى عن الذاتية المتفردة لكل من المعلم والمتعلم، وتفقد عملية التعلم لذة الاكتشاف، التي هي أساس كل عملية تعلم وكل عملية معرفة.
وتأتي البيداجوجيا النقدية لتنقض هذه الصورة النمطية، حيث يتحول الفعل التعلمي إلى اختبار للمفاهيم والحقائق العلمية والاجتماعية الراسخة ووضعها موضع تساؤل، ويعيد كل من  المعلم والمتعلم بناء علاقات جديدة مع المعرفة والمجتمع والكون، وبينما المعلم في البيداجوجيا التقليدية هو "وكيل" لوعي المجتمع،  يسعى من خلال تدريسه إلى "استنساخ" نموذج المعرفة المعتمد اجتماعيا،  وطبعه على عقول طلابه.
وتعارض البيداجوجيا النقدية هذه الصورة التقليدية للصف التي يحتل فيها المعلم دور اللاعب الرئيسي والطلاب هم مجرد "كومبارس" أو "كورس" يردد المعلومات، كما تعرض البنائي الاجتماعي التراتبي للصف القائم على التفرقة الحادة في الواجبات والحقوق بين طبقتين أحدهما مسيطرة وهي طبقة المعلمين، والأخرى مسيطر عليها وهي المتعلمين، كما تعارض بالطبع فكرة المنهاج باعتباره قوالب معرفية مجهزة بشكل مسبق، وتدعو إلى صياغة المنهاج بناء على الخبرات الواقعية الفعلية، ويقوم المتعلمين بالدور الأساسي في بنائها.
وتؤكد البيداجوجيا النقدية على ضرورة منح المتعلم فرصة أثناء عملية التعلم للتأمل فيما يقدم إليه من معرفة وإعادة تفسيرها وفق وعيه الذاتي، واكتشاف مضامين السلطة والقهر الكامنة في المناهج الدراسية، وتدعو إلى إعادة سيطرة المتعلم على المواضيع التي تطرح عليه خلال عملية الدراسة، في سبيل تكوين شخصيته المستقلة.
إن البيداجوجيا النقدية من هذا المنظور هي تجسيد للمقولة المتداولة تاريخيا، "لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، على اختلاف الروايات في مبناها ومعناها ومن قائلها.

الخميس، 5 مايو 2011

"الاراجوز".. الفنان ملتزما بقضاياه الاجتماعية

عند مشاهدة فيلم الاراجوز للممثل العالمي عمر الشريف، يحضر إلى ذهني الجدال المستمر بين موقع الفن في خدمة قضايا المجتمع وبين كونه فنا خالصا يعبر عن روؤية ذاتية للفنان، والفن في الحالة الأولى هو أداة ليس للإصلاح بالدرجة الأولى بقدر ما هو وسيلة للتوعية، أما في الحالة الثانية فيتحول الفن إلى وسيلة للتعبير عن مشاعر وحالات شخصية ويكون التركيز أكبر على البنية الفنية الداخلية كما يتصورها الفنان، ويرى أنصار الفن للمجتمع أن الفن لمجرد الفن بعيدا عن الالتزام بقضايا رئيسة هو ضرب من "العبث" والتسلية ويتجاهل ما يمكن للفن أن يقدمه من رسالة، في حين يرى أهل الفن للفن أن تركيز الفن في خدمة قضايا أساسية هو انحراف عن مساره الذي خلق من أجله، في إعادة ترجمة الكون من وجهة نظر فنية.

ما يعجبني بداية في فيلم الاراجوز هو قدرته على تجاوز تلك الثنائية على مستويين، المستوى الأول هو مستوى الفيلم نفسه، فلم يبتعد سياق الأحداث الدرامية عن رسالة أساسية هي التعبير عن تحولات القيم في المجتمع المصري بين عصري الثورة والانفتاح، إلا أن ذلك لم يمنعه من تقديم لوحة فنية بارعة تصور حياة الاراجوز الذي جسدها عمر الشريف بآداء إبداعي، فلم تفسد القضايا الأساسية للمخرج (هو نفسه كاتب القصة والسيناريو) البناء الدرامي المحكم، ولم تطغي الجوانب الفنية (الأغنية مثلا) على الرؤية النقدية للمجتمع التي يقدمها الفيلم.
أما المستوى الثاني، فهو شخصية الأراجوز ذاتها، والتي يمتزج فيها الفني بالاجتماعي، فتجسد الإنطلاق الفني في أقصى صوره، وافتكاكه من القيود الاجتماعية كشرط للإبداع، وهو ما يتضح في نظرة أهل القرية له كشخص ينتمي إلى عالم الموالد، وتحرره من كل القيم التي تكبل أفراد مجتمعه، وحتى التضاد بين منطق حكمته شديدة الخصوصية في مقابل لغة منطق المادة وعقلية المصلحة الذاتية لدى الآخرين، فيتهمه الآخرين بالجنون وهو لا يدافع عن نفسه أمام هذه التهمة، لكنه يستغلها أقصى استغلال كرداء ينفذ من خلاله إلى تحقيق رسالته.



ويوظف الأراجوز قدراته الفنية ليوجه نظرته النقدية تجاه مجتمعه، يكشف عن ممارسات الظلم والفساد ويواجهها، ليحولها أو يحول صاحبها إلى أهزوجة ساخرة خفيفة الكلمات تلتصق بعقول الناس ويتوالى ترديدها، وهو ملتزم بالدفاع عن أهل القرية ضد رموز السلطة على اختلاف مستوياتها وسلوكاتها ويسخر من هذه السلطة التي تتخذ موقف مغاير لما يجب أن تحققه، كذلك يلمح إلى قضايا ستظهر تأثيراتها الاجتماعية الضخمة بعد فترة مثل الهجرة والتخلي عن الأراضي الزرراعية.
ويقدم العمل شخصية الاراجوز كنقيض لكل الشخصيات الأخرى في الفيلم، بدءا من ابنه الذي يتنكر لقيم والده، ويعي متطلبات النجاح السريع في مجتمع يتخذ من العلاقات أساسا للسلطة والوصول إلى قمة المجتمع، فينتمي لتلك القيم ويمارسها، وحينما يصطدم كل منهما بالآخر، يختار قيم مجتمعه الجديد بل ويمضي في محاولة تسيد هذا النمط، ويمثل هشام سليم ببراعة شخصية هذا الجيل الضائع بين عهدين كل منهما يتمثل كل منهما مثل عليا مختلفة، وإن لم يقل الفساد أو القمع في أحدهما عن الآخر.
كذلك يناقض الأراجوز شخصية السلطوي الذي لا يتوانى عن استغلال نفوذه وسلطاته لمصلحته الشخصية، والذي يجد لذته في قهر الفلاحات البسيطات اللاتي لا يملكن أي قدرة للدفاع عن أنفسهن، ويتجسد الصراع بينهما حول حبيبة الاراجوز التي فضلت الحياة البسيطة عن الخضوع للسيد، لذلك تبقى عالقة بذاكرته ويحلم بها كطريدة يجب أن يقهرها.
ومن أهم التناقضات التي يبرزها الفيلم، ذلك التناقض بين الاراجوز وبين "شهدي أفندي" حكيم القرية، والذي يعي كل ما يدور من حوله ويؤمن بأهمية دور الاراجوز، إلا أنه صامت ويكتفي بما يقدمه من دعم معنوي له، كذلك التناقض بين شخصية الاراجوز وزوج حبيبته السابق، والذي يمثل القوة الجسدية "أبضاي" إلا أن الحبيبة تجد مع الأراجوز الدفء والسعادة، التي لم تعي وجودها من قبل.
يقدم الاراجوز نموذجا للفنان المناضل الشعبي، الذي يسخر فنه من أجل قضاياه التي يؤمن بها، والذي في واحد من أدق مشاهد الفيلم وهو تحت تأثير "الحشيش" لا يفرق بين عدم قدرته على التواصل مع حبيبته التي تصده وبين احتلال جزء من أرضه، يتماهى فيها الهم الشخصي مع الهم المجتمعي، ليشكلان هاجسا يحاول أن يتغلب عليه، بحيلة الاراجوز تارة وبفنه تارة أخرى.