الجمعة، 6 مايو 2011

بيداجوجيات نقدية.. (1) علاقة البيداجوجيا النقدية بالتربية التقليدية

يستخدم بعض الكتاب العرب مصطلح "الطرائقية" كبديل لمصطلح البيداجوجي أو بيداجوجيا، ويشير هذا التعريف إلى محور تركيز البيداجوجي وهو "طرائق التدريس أو التعليم"، بينما يميل البعض الآخر إلى ترجمته بعلم "أصول التدريس"، ونفضل استخدام الكتابة العربية للمصطلح بيداجوجي، لنحافظ على المضامين الاجتماعية للمصطلح.
وتقدم البيداجوجيا التقليدية باعتبارها مجموعة من الوسائل أو الاجراءات التي يمكن للمعلم من خلال استخدامها او اتباعها تحسين طريقة تدريسه، وهذا الفهم لعملية التدريس هو منظور "حداثي" ينتمي لعصر الصناعة والعقلانية والترشيد، ويركز على القواعد والاجراءات التي من خلالها يمكن انجاز العمل "بأسرع وقت وأقل تكلفة"، ويتغاضى عن الروح أو جوهر عملية التربية، ويقفز عن الاجابة على الأسئلة الرئيسة للتربية، مثل ما الهدف من عملية التربية أصلا؟
من هذا المنظور، فإن الاجابة على هذه الأسئلة قد تم الاجابة عنها مسبقا، فمن خلال اللجان الرسمية والاجراءات البيروقراطية، يتم تحديد أهداف النظام التعليمي واعلانها في وثائق رسمية، ومن ثم تحليلها إلى أهداف خاصة بكل مرحلة دراسية، وبالتالي فالمعلم ليس بحاجة للتساؤل عنها بما أنها مقررة سلفا، والمعلم هنا يؤدي دور "العامل" في نموذج خط الانتاج، فالمنتج تم تحديد مواصفاته واجراءات تصنيعه مسبقا، وما على العامل إلا "ربط برغي" و "وضع ملصقة" حسب ترتيبه على خط الإنتاج، ولا يحق للعامل الاعتراض على تصميم المنتج أو معاييره أو أيا من جودة مراحل الانتاج السابقة أو التالية، لكن كل المطلوب منه هو الحركة الآلية الرتيبة التي تختلف أو تتشابه مع حركة زميله السابق أو التالي له في خط الإنتاج، حسب الآلية المقررة.
ووفقا لهذه الصورة، يقوم المعلم بتقديم كم معرفي أو مجموعة من المهارات تم تعليبها مسبقا، وتقديمها من خلال أنشطة مكررة ومعادة حتى الإملال، والمطلوب من الطلاب أن يتقنوها بالمعنى التقني للكلمة، أي من خلال اعادة تقديمها خلال اختبار دراسي، يشابه إلى حد كبير موقف التحقيق البوليسي.
وتتغاضى هذه الصورة عن الطابع المتفرد لعملية التربية، والتي تجعل من كل فعل "تدريسي" أو "تعلمي" حالة خاصة، وعلاقة غير قابلة للتكرار، بين المعلم والمتعلم، أو بين المتعلم وزملائه، أو حتى بين المتعلم وموضوع المعرفة، كما تتغاضى عن الذاتية المتفردة لكل من المعلم والمتعلم، وتفقد عملية التعلم لذة الاكتشاف، التي هي أساس كل عملية تعلم وكل عملية معرفة.
وتأتي البيداجوجيا النقدية لتنقض هذه الصورة النمطية، حيث يتحول الفعل التعلمي إلى اختبار للمفاهيم والحقائق العلمية والاجتماعية الراسخة ووضعها موضع تساؤل، ويعيد كل من  المعلم والمتعلم بناء علاقات جديدة مع المعرفة والمجتمع والكون، وبينما المعلم في البيداجوجيا التقليدية هو "وكيل" لوعي المجتمع،  يسعى من خلال تدريسه إلى "استنساخ" نموذج المعرفة المعتمد اجتماعيا،  وطبعه على عقول طلابه.
وتعارض البيداجوجيا النقدية هذه الصورة التقليدية للصف التي يحتل فيها المعلم دور اللاعب الرئيسي والطلاب هم مجرد "كومبارس" أو "كورس" يردد المعلومات، كما تعرض البنائي الاجتماعي التراتبي للصف القائم على التفرقة الحادة في الواجبات والحقوق بين طبقتين أحدهما مسيطرة وهي طبقة المعلمين، والأخرى مسيطر عليها وهي المتعلمين، كما تعارض بالطبع فكرة المنهاج باعتباره قوالب معرفية مجهزة بشكل مسبق، وتدعو إلى صياغة المنهاج بناء على الخبرات الواقعية الفعلية، ويقوم المتعلمين بالدور الأساسي في بنائها.
وتؤكد البيداجوجيا النقدية على ضرورة منح المتعلم فرصة أثناء عملية التعلم للتأمل فيما يقدم إليه من معرفة وإعادة تفسيرها وفق وعيه الذاتي، واكتشاف مضامين السلطة والقهر الكامنة في المناهج الدراسية، وتدعو إلى إعادة سيطرة المتعلم على المواضيع التي تطرح عليه خلال عملية الدراسة، في سبيل تكوين شخصيته المستقلة.
إن البيداجوجيا النقدية من هذا المنظور هي تجسيد للمقولة المتداولة تاريخيا، "لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، على اختلاف الروايات في مبناها ومعناها ومن قائلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق