الأحد، 1 مايو 2011

تطور الأوعية المعرفية .. تاريخ الحكمة البشرية (1)


سعى الإنسان منذ فجر التاريخ إلى تدوين معرفته، وهدف بذلك إلى حفظها، ولعل أقدم النصوص المكتوبة تشهد بأن الهدف الأول من ذلك كان لأغراض حياتية بحتة، كما في قانون حامورابي، وبالتالي فلم تكن المعرفة منفصلة أبدا عن الحياة، والثابت تاريخيا بأن اللغة سابقة على الكتابة، ولكن مع الكتابة اكتسبت المعرفة الإنسانية بعدا جديدا وهو امكانية تخزين هذه المعرفة وحفظها لمن يرغب في استخدامها.




أقدم وسائل التوثيق البشري....كهوف تسيلي ليبيا، عشرين ألف سنة قبل الميلاد


تعتبر شريعة حمورابي-سادس ملوك مملكة بابل القديمة - من أقدم الشرائع المكتوبة في التاريخ البشري .
 وتعود إلى العام 1790قبل الميلاد وتتكون من مجموعة من القوانين، مكتوبة باللغة المسمارية.




وصاحب تطور اللغة المكتوبة تطور في الأوعية المعرفية أو أدوات حفظ المعرفة، فظهر ورق البردي في الحضارة المصرية القديمة، وفي الصين في مرحلة تالية استخرج الورق من نباتات مائية، أما في الجزيرة العربية وأوروبا درج استخدام الجلود كوسيلة للتسجيل والشيء اللافت هنا هو  اختلاف المهارات المطلوبة لحفظ المعرفة، فلم تعد تعتمد على القوة الجسدية اللازمة للنقش على الصخر مثلا أو "لأرشفة اللوحات الحجرية"، إنما أصبح جمال الخط هو معيار الكاتب الجيد، وشهد العالم مع ظهور الورق طفرة معرفية، حيث أصبح من الممكن الحديث عن تداول المعرفة، وصارت اللفائف والمخطوطات تنتقل عبر البحار.



صورة الكاتب المصري الجالس القرفصاء، أقدم من امتهن تسجيل المعرفة،
 وكانت وظيفة مهمة جدا في الدولة الفرعونية، ولم يكن يتقن الكتابة إلا الكهنة 
وهو ما نراه فيما بعد في أوروبا في العصر الوسيط.

ولعل ذلك الانفجار المعرفي  لم يتكرر مرة أخرى حتى القرن الخامس عشر، حيث أدى انتقال صناعة الورق في أوروبا إلى ظهور أنواع رخيصة من الورق يمكن انتاجها على نحو واسع، تصاحب مع ظهور آلة جوتنبرج الجديدة، وظهر لأول مرة "الكتاب المطبوع"، وأحدث ذلك ثورة في العقل البشري، فأصبحت المعرفة لأول مرة في التاريخ "ملك الجميع"، ولأول مرة ظهرت ترجمات للكتاب المقدس باللغات المحكية، وليس باللغات القديمة التي لا يتقنها إلا رجال الدين.
وفي الوطن العربي تأخر ظهور الطباعة إلى عصر النهضة الحديثة للأمة العربية في بدايات القرن التاسع عشر، وأدى نظام المدارس الحديث إلى نشوء طبقة من المثقفين تسعى لتحرير المجتمع وتطالب بالإصلاحات السياسية والاجتماعية، وهو ما تبلور بعد ذلك في شكل حركات قومية ساهمت في التخلص من الاستعمار وتأسيس دول قومية، وتميزت هذه الفترة بالحراك الثقافي الشديد في المجتمعات العربية، وكان لطباعة الكتب فضل كبير في ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق