عند مشاهدة فيلم الاراجوز للممثل العالمي عمر الشريف، يحضر إلى ذهني الجدال المستمر بين موقع الفن في خدمة قضايا المجتمع وبين كونه فنا خالصا يعبر عن روؤية ذاتية للفنان، والفن في الحالة الأولى هو أداة ليس للإصلاح بالدرجة الأولى بقدر ما هو وسيلة للتوعية، أما في الحالة الثانية فيتحول الفن إلى وسيلة للتعبير عن مشاعر وحالات شخصية ويكون التركيز أكبر على البنية الفنية الداخلية كما يتصورها الفنان، ويرى أنصار الفن للمجتمع أن الفن لمجرد الفن بعيدا عن الالتزام بقضايا رئيسة هو ضرب من "العبث" والتسلية ويتجاهل ما يمكن للفن أن يقدمه من رسالة، في حين يرى أهل الفن للفن أن تركيز الفن في خدمة قضايا أساسية هو انحراف عن مساره الذي خلق من أجله، في إعادة ترجمة الكون من وجهة نظر فنية.
ما يعجبني بداية في فيلم الاراجوز هو قدرته على تجاوز تلك الثنائية على مستويين، المستوى الأول هو مستوى الفيلم نفسه، فلم يبتعد سياق الأحداث الدرامية عن رسالة أساسية هي التعبير عن تحولات القيم في المجتمع المصري بين عصري الثورة والانفتاح، إلا أن ذلك لم يمنعه من تقديم لوحة فنية بارعة تصور حياة الاراجوز الذي جسدها عمر الشريف بآداء إبداعي، فلم تفسد القضايا الأساسية للمخرج (هو نفسه كاتب القصة والسيناريو) البناء الدرامي المحكم، ولم تطغي الجوانب الفنية (الأغنية مثلا) على الرؤية النقدية للمجتمع التي يقدمها الفيلم.
أما المستوى الثاني، فهو شخصية الأراجوز ذاتها، والتي يمتزج فيها الفني بالاجتماعي، فتجسد الإنطلاق الفني في أقصى صوره، وافتكاكه من القيود الاجتماعية كشرط للإبداع، وهو ما يتضح في نظرة أهل القرية له كشخص ينتمي إلى عالم الموالد، وتحرره من كل القيم التي تكبل أفراد مجتمعه، وحتى التضاد بين منطق حكمته شديدة الخصوصية في مقابل لغة منطق المادة وعقلية المصلحة الذاتية لدى الآخرين، فيتهمه الآخرين بالجنون وهو لا يدافع عن نفسه أمام هذه التهمة، لكنه يستغلها أقصى استغلال كرداء ينفذ من خلاله إلى تحقيق رسالته.
ويوظف الأراجوز قدراته الفنية ليوجه نظرته النقدية تجاه مجتمعه، يكشف عن ممارسات الظلم والفساد ويواجهها، ليحولها أو يحول صاحبها إلى أهزوجة ساخرة خفيفة الكلمات تلتصق بعقول الناس ويتوالى ترديدها، وهو ملتزم بالدفاع عن أهل القرية ضد رموز السلطة على اختلاف مستوياتها وسلوكاتها ويسخر من هذه السلطة التي تتخذ موقف مغاير لما يجب أن تحققه، كذلك يلمح إلى قضايا ستظهر تأثيراتها الاجتماعية الضخمة بعد فترة مثل الهجرة والتخلي عن الأراضي الزرراعية.
كذلك يناقض الأراجوز شخصية السلطوي الذي لا يتوانى عن استغلال نفوذه وسلطاته لمصلحته الشخصية، والذي يجد لذته في قهر الفلاحات البسيطات اللاتي لا يملكن أي قدرة للدفاع عن أنفسهن، ويتجسد الصراع بينهما حول حبيبة الاراجوز التي فضلت الحياة البسيطة عن الخضوع للسيد، لذلك تبقى عالقة بذاكرته ويحلم بها كطريدة يجب أن يقهرها.
يقدم الاراجوز نموذجا للفنان المناضل الشعبي، الذي يسخر فنه من أجل قضاياه التي يؤمن بها، والذي في واحد من أدق مشاهد الفيلم وهو تحت تأثير "الحشيش" لا يفرق بين عدم قدرته على التواصل مع حبيبته التي تصده وبين احتلال جزء من أرضه، يتماهى فيها الهم الشخصي مع الهم المجتمعي، ليشكلان هاجسا يحاول أن يتغلب عليه، بحيلة الاراجوز تارة وبفنه تارة أخرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق