يبدو السؤال منطقيا للمتتبع
لتاريخ تنظيم المونديال، والمتابع لتدخلات السياسة في ترشيحات البلدان لذلك الحدث
الأعظم في رياضة كرة القدم، وألعاب الأمم في الكواليس خاصة في السنوات الأخيرة، فيبقى احتمالية الحدث واردة، حتى أن حتى هناك أصوات بدأت تنادي بذلك، بل أحد المواقع على الانترنت المخصص لذلك
الملف، والتي تجمع بين أنصار الحل السلمي "المعتدلين من الطرفين" من
نيويورك وتل أبيب ورام الله وغزة.
بداية تبدو الصفقة رابحة للطرفين، فمساحتهما معا بالتأكيد أكبر من قطر المنظمة لكأس العالم 2022، ومقارنة بكوريا واليابان، المنظمتان لكأس العالم 2002، تبدو المسافة أقصر بكثير.....خطوط وهمية، وتمثل حلا اقتصاديا سريعا لحكومتين مواجهتان برفض الشارع لسياساتهما الاقتصادية على الأقل، فبمجرد الإعلان عن الملف سيخلق ألاف فرص العمل، كما سيلهي الشارع عن قضايا ذات أولوية لفترة طويلة، وسنضمن خلال الخمسين سنة القادمة هدوءا لم يسبق له مثيل طوال فترة الصراع، وسيكون من حق القادة في الطرفين أن يفاخروا بالحل الأسهل للقضية الأعقد.
وسيشهد الملف دعما وتأييدا
عالميين سيجعلان من قضية فوز هذا التنظيم المشترك أمرا شبه محسوما، فيتخلص العالم
من هذا الصداع الأزلي، وسيفرح الجميع بتفوق الحل الأقتصادي- الرياضي على الصراع الاستعماري/السياسي/
العسكري/ الديني/ العرقي، وكذلك سيشهد دعم الدول العربية وبصفة خاصة المحازية لهما
والتي تتبنى الحل السلمي، وإذا ما احسنت تلك الدول التخطيط، لن تخرج خاوية الوفاض
من هذا المونديال.وفي حالة نشوب أي مشكلة، سينظر الجميع غاضبا إلى الطرفين معا
"أنتم شركاء....انهوا قضايكما فيما بينكما".
ويبدو الجانب الفلسطيني
الرابح الأكبر في هذه المعادلة، فبداية سيضمن الاعتراف المروم في الأمم المتحدة،
فلم تنظم كأس العالم من قبل دولة ليست عضوا في المؤسسة، كما سيساعد على حل المصيبة الأكبر في تاريخنا
المعاصر... الانقسام، ليتوحدا معا للضغط على الشريك المنافس في هذا المشروع لتحقيق
أحسن الفرص، كما ستمثل مجالا واسعا لرؤوس الأموال في تحقيق ربح غير مسبوق، ويشجع
الاستثمارات الخارجية في مشروعات البنية التحتية والفوقية، ويساعد على حل مشكلات
البطالة، وتطوير الكوادر الإدارية من خلال العمل على تنظيم هذا الحدث العملاق،
والاحتكاك بمثيلاتها العالمية وعلى الطرف الآخر، وعلى أقل تقدير، ستتبقى لنا أربعة
أو خمسة ملاعب بعد انتهاء المونديال، مما سيساعد على نهوض نشاط كرة القدم الوطني.
إلا أن للجانب الإسرائيلي استفاداته كذلك، فهو صاحب البنية الاقتصادية الأحدث، وتبدو ملاعبه وفنادقه وطرقاته وخدماته أكثر استعدادا، بما يضمن النصيب الأكبر من الغلة الاقتصادية، ومع وصول أحد الفرق العربية مثل مصر أو السعودية أو الجزائر إلى النهائيات، سيُفتح باب التطبيع الواسع، ويساعد على أن تصبح إسرائيل دولة طبيعية في المنطقة، ويصبح الحلم بالتمدد الاقتصادي في الأسواق العربية متاحا.
وتبدو"غزة" قضية شائكة تهدد هذا الملف، فمع صعوبة انتقال عشرات الالاف من مطارات إسرائيل إلى
قطاع غزة عبر أريز، والتي يمكن للقائمون على ملف غزة من تجاوزه، عبر مطار العريش
والأراضي المصرية وصولا، وسيتم استغلال الأنفاق كذلك لتسهيل انتقال هذا العدد
الضخم من المشجعين، وكذلك كمزار سياحي سيود القادمون المرور به كمغامرة متميزة، إلا
أن الفرق الرياضية والمشجعون سيلقون مشقة أمنية هائلة، خاصة في حالة فوز فريقهم
وانتقاله للعب في الأدوار التالية في أحد ملاعب اسرائيل أو الضفة، وكذلك بالنسبة
لانتقال الجمهور الغزي لمتابعة مباريات المجموعات الأخرى، وهم عاشقون مجانين
للعبة، ، وهو ما سيحتاج جهدا كبيرا من مسوقي الملف لاستصدار التصاريخ اللازمة،
وإلا ستبقى إسرائيل في مأزق أخلاقي أمام العالم، إذ كيف يأتي الناس من ألاف
الأميال لمتابعة فرقهم، ولا يستطيع هؤلاء على بعد خطوات.
تبقى بعد ذلك خمس قضايا
أساسية، وهي القدس والحدود واللاجئين والأسرى والاستيطان، فماذا عن المشجعين
الأسرى، وماذا إذا استطاع أحد الأسرى الحصول على تذكرة، عن طريق التهريب مثلا،
لحضور أحدى المباريات، هل سيسمح له بحضورها، وماذا بالنسبة للاجئين هل سيتم منحهم
تأشيرات لحضور المباريات، وخاصة تلك التي تقام على مدنهم الأصلية التي هجروا منها؟
وبالنسبة للجنة التي ستتولى ملف القدس، هل ستكون من الإسرائيليين أم الفلسطينيين؟
وإذا ما كانت لجنة مشتركة، لمن ستكون الغلبة والرئاسة فيها، وبالنسبة للحدود كيف سيتم
النظر إليها مع وجود السور الذي سيمنع من انتقال المشجعين جيئة وذهابا بين
الجانبين؟ وأي خط سيفصل بين مناطق السيطرة بين قوات الأمن من الطرفين؟ وهل سيسمح
ببناء الفنادق والمرافق لهذا الحدث في المستوطنات؟ ولماذا لا ينتقلون إلى الجانب
الآخر حتى يتمكن الجانب الفلسطيني من التوسع في إقامة المشاريع اللازمة؟ خاصة وهي تخنق
خاصرة المدن الفلسطينية باستمرار.
ومع صعوبة حل هذه القضايا،
سيبقى هذا الملف مغلقا إلى الأبد، وفي هذه الحالة، ومع انفراد اسرائيل بتنظيم كأس أمم أوروبا للشباب العام القادم، ربما يكون من الأجدر الالتفات
إلى أن تقوم فلسطين بالعمل على تنظيم ملف استضافة كأس العالم وحدها، ولو كان كأس
العالم للناشيئن تحت 16 سنة عام 2032.
نحن بحاجة لأن نبدأ حلما،
حتى لو كان صغيرا وبعيدا.